الفيض الكاشاني

357

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

الأربعة ويزيد أمران : أحدهما الاشتغال بالكسب وتدبير المعاش وحضور السوق ، فإن كان تاجرا فينبغي أن يتّجر بصدق وأمانة ، وإن كان صاحب صناعة فبنصح وشفقة ، ولا ينسى ذكر اللَّه تعالى في جميع أشغاله ، ويقتصر من الكسب على قدر حاجته ليومه مهما قدر على أن يكسب في كلّ يوم لوقته ، فإذا حصلت كفايته ليومه فليرجع إلى بيت ربّه وليتزوّد لآخرته ، فإنّ الحاجة إلى زاد الآخرة أشدّ والتمتّع به أدوم ، فالاشتغال بكسبه أهمّ من طلب الزيادة على حاجة الوقت فقد قيل : لا يوجد المؤمن إلا في ثلاث مواطن : مسجد يعمره ، أو بيت يستره ، أو حاجة لا بدّ له منها ، وقلّ من يعرف القدر فيما لا بدّ منه بل أكثر الناس يقدّرون فيما عنه بدّ أنّه لا بدّ لهم منه وذلك لأنّ الشيطان يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فيصغون إليه ويجمعون ما لا يأكلون خيفة الفقر واللَّه يعدهم مغفرة منه وفضلا فيعرضون عنه ولا يرغبون فيه . والأمر الثاني القيلولة وهي سنّة ليستعين بها على قيام اللَّيل كما أنّ التسحّر سنّة ليستعين به على صيام النهار فإن كان لا يقوم باللَّيل ولكن لو لم ينم لم يشتغل بخير ، وربما خالط أهل الغفلة ويتحدّث معهم فالنوم أحبّ له إذا كان لا ينبعث نشاطه للرّجوع إلى الأذكار والوظائف المذكورة إذ في النوم الصمت والسلامة ، وقد قال بعضهم : يأتي على النّاس زمان الصمت والنوم فيه أفضل أعمالهم ، وكم من عابد أحسن أعماله النوم وذلك إذا كان يرائي بعبادته ولا يخلص فيها فكيف بالغافل الفاسق ، قيل : كان يعجبهم إذا تفرّغوا أن يناموا طلبا للسلامة ، فإذا نومه على قصد طلب السلامة ونيّة قيام اللَّيل قربة » . أقول : ويأتي في هذا كلام عن الصادق عليه السّلام عن قريب . قال : « ولكن ينبغي أن ينتبه قبل الزّوال بقدر الاستعداد للصلاة بالوضوء وحضور المسجد قبل وقت الصلاة فإنّ ذلك من فضائل الأعمال ، وإن لم ينم ولم يشتغل بالكسب واشتغل بالصلاة والذكر فهو أفضل أعمال النهار لأنّه وقت غفلة الناس عن اللَّه تعالى واشتغالهم بهموم الدّنيا فالقلب المتفرّغ بخدمة ربّه عند إعراض العبيد عن بابه جدير